هل بدأ الإجماع الأمريكي فوق الحزبي حيال دعم “إسرائيل” في التصدّع؟ كما يكتب وديع عواودة

هل بدأ الإجماع الأمريكي فوق الحزبي حيال دعم “إسرائيل” في التصدّع؟ كما يكتب وديع عواودة

مجلة الموعد الجدید العالمیة

بیروت – لبنان

مدیر مکتب مجلة الموعد الجدید / د۔ رضوان عبد الله

هل بدأ الإجماع الأمريكي فوق الحزبي حيال دعم “إسرائيل” في التصدّع؟ كما يكتب وديع عواودة

 

الناصرة ـ «القدس العربي»: بعد عقود تتساءل ورقة عمل للمركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية (مدار) عما إذا بدأ الإجماع الأمريكي على دعم فوري وأعمى لإسرائيل بالتصدع نتيجة سياسات رئيس حكومتها بنيامين نتنياهو في العقد الأخير.
وتقول إنه يمكن القول إن نشوة النصر التي عاشها رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو لحظة إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في البيت الأبيض يوم28 يناير/ كانون الثاني الماضي «صفقة القرن» التي جاءت في ذروة صراع الأول على السلطة في جولة انتخابات ثالثة وحاسمة متوّجة رزمة سخية وغير مسبوقة من الهدايا التي قدمها له الرئيس الأمريكي تباعا (الاعتراف بضم القدس والجولان ونقل السفارة وإغلاق بعثة المنظمة في واشنطن ومحاصرة وكالة الأونروا… إلخ) لن تكون عابرة وقصيرة فقط.
برأيه قد تعتبر لحظة الهبوط بالعلاقات الأمريكية- الإسرائيلية إلى مستوى غير مسبوق من التردي والانحطاط لتسجل على أنها بداية النهاية التي تصدع فيها الإجماع الأمريكي فوق الحزبي على دعم إسرائيل.
وترى الورقة هذه أيضا أن التراجع الذي يمكن أن تشهده العلاقات الأمريكية- الإسرائيلية في حال فوز المرشح الديمقراطي جو بايدن في جولة الانتخابات المقبلة، بات يثير الكثير من إمارات القلق لدى النخب الإسرائيلية والأمريكية وفي أوساط المنظمات اليهودية في الولايات المتحدة على حد سواء، بعد أن ذهب نتنياهو بعيدا في انحيازه للحزب الجمهوري وتماهيه مع إدارة ترامب وفريقه في البيت الأبيض على حساب العلاقة مع الحزب الديمقراطي، وبعد أن ساهم بشكل مثابر وفي أكثر من محطة في استبدال تأثير وقوة الصوت اليهودي بصوت المسيحيين الأفنجيليين الصهاينة كعامل حاسم في تقديم مصالح إسرائيل.
السفيران
وترجح أن خطوة تعيين غلعاد إردان سفيرا جديدا لإسرائيل في واشنطن بديلا من السفير الإسرائيلي الحالي رون دريمر، وخطوة تسلم غابي أشكنازي لوزارة الخارجية، قد تكونان من الإشارات الأولى إلى محاولة إعادة التوازن للعلاقة مع الديمقراطيين وإخراجها من يد نتنياهو. ولكنها تعتبر أن وصول إردان إلى واشنطن لن يكون له تأثير جدي إذا لم يتزامن مع خطوة أخرى تتمثل في استقالة السفير الأمريكي في إسرائيل ديفيد فريدمان عملا بالتقليد الأمريكي عند تبدل إدارة ترامب وخروجها من البيت الأبيض، وفق ما يرى الصحافي الإسرائيلي البارز يعقوب أحيمئير في مقالته التي نشرها في صحيفة «يسرائيل هيوم» المقربة من نتنياهو.
وتتابع «ساد اعتقاد في إسرائيل بأن فترة ولاية الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما والذي يحلو لنتنياهو أن يصفه بالرئيس المعادي، واستمرت ثماني سنوات، ستكون هي المؤشر الذي سجل التراجع الأكبر في تاريخ العلاقة بين حكومة إسرائيل والبيت الأبيض، إلى درجة دفعت أوباما إلى التذمر علانية في مقابلات متلفزة من تدخلات نتنياهو في سياسته الخارجية، واصفا سلوكه «بالتدخل غير المسبوق الذي لا يذكر مثله في شؤوننا الداخلية «.
واستطاع نتنياهو تحدي البيت الأبيض في الاتفاق النووي الإيراني، الذي سبقه صراع شخصي وسياسي بين الرجلين حول التهدئة في غزة ما بعد عدوان 2014، والتي جاءت بعد إهانات علنية وجهتها حكومة نتنياهو ونتنياهو شخصيا لوزير خارجية أوباما جون كيري عشية مساعيه لإعادة إطلاق المفاوضات مع السلطة الفلسطينية، ودفعت البيت الأبيض إلى إبراز صور وتسريب تصريحات تصف نتنياهو بـ «غير المؤدب والعابث بالعلاقات الأمريكية- الإسرائيلية».
وتستذكر أن العلاقة المتوترة بين نتنياهو وأوباما وإدارته لم تبق محصورة في الطواقم العليا وكبار الموظفين، بل انعكست على الرأي العام الإسرائيلي والأمريكي على حد سواء.
وتشير لاستطلاع للرأي أجرته صحيفة «جيروزاليم بوست» في 2014 أن نسبة 72% من الجمهور ترى التوتر بين أوباما ونتنياهو انعكس سلبا على علاقة الجانبين، كما أظهر استطلاع آخر في 2017 أن 41% من الإسرائيليين يرون أن امتناع الولايات المتحدة عن استخدام حق النقض (الفيتو) لمنع صدور قرار رقم 2334 يدين الاستيطان الإسرائيلي في الأراضي المحتلة، سببه العلاقة المتوترة بين نتنياهو وأوباما.
وتقول ورقة «مدار» إن حدوث توتر أو تفاوت في الرؤية والمصالح المباشرة بين إسرائيل وحليفتها الاستراتيجية الكبرى في العالم، الولايات المتحدة، ليس أمرا نادر الحدوث. وتذكر بأن العلاقة بينهما قد شهدت توترات وأزمات كثيرة وعابرة سرعان ما تم تداركها بحيث لم يجرؤ رئيس حكومة إسرائيلية قبل نتنياهو على العبث بها أو التدخل في الشؤون الأمريكية الداخلية أو تغليب مصلحة حزب على آخر.
ولعل آخر الأزمات ما قبل عهد نتنياهو حدثت بين رئيس حكومة الاحتلال إسحق شامير والرئيس الأمريكي الجمهوري جورج بوش الأب في عام 1990- 1991 عندما هاجم بوش الأب شامير واتهم منظمة «إيباك» بالعمل ضد مصالح بلاده، وقرر لأول مرة تجميد ضمانات القروض التي تقدمها بلاده لإسرائيل وذلك على خلفية أزمة الخليج الأولى والتحضير لمؤتمر مدريد للسلام، ليجد شامير أن «التجاوب مع رغبة الحليف الأكبر وعدم خرق التقليد الراسخ في العلاقة بين الحليف الأكبر والحليف الأصغر هما الأضمن له لحفظ مصالح حكومته».
بين إسرائيل وتشيكيا
وتقول إن أريئيل شارون هو الآخر جرب في لحظة دولية مشابهة لتلك التي اصطدم فيها شامير مع بوش الأب، أن يفرض أجندته على الإدارة الأمريكية عشية التحضير لتشكيل تحالف عربي قبل حرب الخليج الثانية وما بعد أحداث 11 أيلول/ سبتمبر 2001، وهو ما عبر عنه في تصريحه الشهير في عام 2001 وحذر فيه من أن إسرائيل في 2011 لن تقبل بأن يكون مصيرها شبيهاً بمصير تشيكوسلوفاكيا التي تمت «التضحية» بها للنازية عشية الحرب العالمية الثانية. وسرعان ما وجد شارون بغريزته السياسية الحادة الآلية لكسب ود حليفه الأكبر ليدخل الرجلان (شارون وجورج بوش الابن) في علاقة توصف في الأدبيات الإسرائيلية على أنها الأكثر حميمية بين قادة البلدين، واستطاع من خلالها ومقابل الانسحاب الأحادي من غزة أن ينتزع رسالة تعهد رسمية باسم الرئيس جورج بوش الابن يتعهد فيها «بأن يتم أخذ مصالح إسرائيل والتغيرات التي وقعت على الأرض (الكتل الاستيطانية) في الاعتبار عند عقد أي اتفاق سلام مستقبلي مع الفلسطينيين».
التخوف من عودة الديمقراطيين
حالياً تشارف ولاية الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الأولى على الانتهاء، ومعها تزداد التحذيرات من وصول العلاقات بين إسرائيل وحليفتها الاستراتيجية إلى أدنى مستوى، حيث دعا معهد أبحاث الأمن القومي إلى الاستعداد لإمكانية هزيمة ترامب وتسلم بايدن للحكم، معتبرا أن هناك أساساً جيدا للاعتقاد بأن ولاية بايدن ستشهد توترا مع نتنياهو في قضيتين أساسيتين، وهما الملف الإيراني وإمكانية العودة للاتفاق مع إيران، والملف الفلسطيني. وهذا التخوف من عودة الديمقراطيين غير مسبوق ولا يقتصر على إسرائيل، حيث قالت سفيرة الولايات المتحدة السابقة في الأمم المتحدة نيكي هيلي في تصريحات أمام الائتلاف اليهودي الجمهوري: «إذا جاء بايدن فإن كل التقدم الذي أحرزناه سيختفي، إنني أكره فكرة أن كل ما أحرزناه في كل ما يتعلق بإسرائيل في الشرق الأوسط والملف الإيراني سيختفي».
قابل هذه التصريحات خطاب بثته حملة بايدن عبر شبكات الإنترنت موجه للمسلمين في الولايات المتحدة، استهله بحديث نبوي شريف وطلب الاستعانة بهم ودعوتهم لأن يكونوا جزءا من صناعة القرار في إدارته المقبلة في حال فوزه في الانتخابات.
وترى أن هذا القلق المتبادل بين أركان إدارة ترامب وحكومة نتنياهو وقاعدتها اليمينية يعكس التحول الكبير الذي شهدته العلاقات الأمريكية – الإسرائيلية نحو الأسوأ، وهو يعكس تخلخل أحد أهم ركائز هذه العلاقة وثوابتها التاريخية القائمة على الحرص الشديد على بقاء إسرائيل ومصالحها في مرتبة فوق حزبية، وضمن حالة الإجماع الداخلي وبعيدا عن الصراعات الداخلية.ودفع مسلسل التدهور في العلاقة مع الحزب الديمقراطي ديفيد هوروفيتس، محرر «تايمز أوف إسرائيل» إلى التعبير عن خشيته من أن وقوف إسرائيل بشكل سافر إلى جانب ترامب قد أضر بالعلاقة بشكل سيكون من التعذر إصلاحه، وأن إسرائيل فقدت ميزة كونها تتمتع بإجماع نادر في الساحة السياسية الأمريكية وتقع خارج نطاق الاستقطاب الحزبي، لافتا إلى أنها تحولت إلى إسفين انتخابي بعد أن اعتبر ترامب «أن من يصوت من اليهود الأميركان للديمقراطيين يعتبر جاهلا وناكرا للجميل».
ولم تخف نانسي بلوسي، رئيسة مجلس النواب عن الحزب الديمقراطي، امتعاضها من انحياز نتنياهو الواضح لإدارة ترامب الذي وصفه هوروفيتس «بأن نتنياهو يعمل لصالح ترامب» وقد عبرت عن ذلك بقولها «إن البلدين قادران على تجاوز ترامب ونتنياهو معا».وتعتبر ورقة العمل أنه يمكن النظر إلى عدم مشاركة أي عضو في الحزب الديمقراطي في حفل نقل السفارة الأمريكية إلى القدس المحتلة والخوض في جدل الضم وإعلان بايدن معارضته لخطة نتنياهو التي يدعمها ترامب وفريقه، على أنها الأمثلة الأبرز على تحول إسرائيل من قضية إجماع وتحالف فوق حزبي إلى قضية حزبية ومادة مناكفة بين الحزبين. ومع ذلك فهي لا تعتبر الذروة التي يمكن اعتبارها اللحظة الحاسمة ولا يمكن العودة لما قبلها، كما في قضية عدم السماح لعضوتي الكونغرس المسلمتين عن الحزب الديمقراطي إلهان عمر ورشيدة طليب من دخول إسرائيل.
وتتابع « لقد اعتبر الحزب الديمقراطي القرار بمثابة انصياع أعمى من نتنياهو لأجندة ترامب الحزبية الداخلية، وإهانة لعضوتي كونغرس منتخبتين».
وعبرت صحيفة «مكور ريشون» الإسرائيلية عن الأزمة التي افتعلها نتنياهو إرضاء لترامب بعنوان بارز(الديمقراطيون ينفصلون عن إسرائيل)، أما القادة اليهود في أميركا فقد وصفوا لصحيفة «معاريف» دون ذكر أسمائهم الضرر الذي أحدثه نتنياهو بأنه تدمير للقاعدة والأساس الصلب للدعم الأمريكي لإسرائيل وتحول إسرائيل إلى قضية سياسية بدلاً من كونها قيمة ونموذجا يحتذى.
بيرني ساندرز
وتعتقد أن التحولات التي تشهدها قاعدة الحزب الديمقراطي نحو اليسار وحملة المرشح الديمقراطي بيرني ساندرز التي تخللتها انتقادات صريحة لسياسة نتنياهو وإسرائيل تجاه الفلسطينيين، لم يكن لها أن تتحدد أكثر وأن تجد لها تعبيرا بهذا الحجم لولا سياسة نتنياهو الأحادية وانحيازه الأعمى لترامب بما يرمز إليه الأمر من إشارات إلى أنه تخلى عن الصوت الديمقراطي وفقد الثقة بدعم الصوت اليهودي الأمريكي لسياسته ووضع كل ثقله على الصوت الأفنجيلي المسيحي الصهيوني المتطرف. وترى بذلك خطوة قد تكون محسوبة بدقة على ضوء ما تظهره الاستطلاعات من تراجع شعبية إسرائيل في أوساط الديمقراطيين، حيث أظهر استطلاع نشرته «معاريف» في نهاية عام 2019 أن 39 % من الناخبين الديمقراطيين يميلون لفلسطين مقابل 33% يميلون لإسرائيل.
خلاصة
وتشير ورقة «مدار» إلى أن الخلاصة التي وصل إليها نتنياهو أو الأمر الواقع والضرر الذي أنتجته سياسته تقود في أحسن الأحوال إلى فقدان الإجماع الداخلي الأمريكي والتفريط بالمبدأ الأعلى والقيمة الكبرى التي تمتعت بها إسرائيل في البقاء في قلب الإجماع لدى الحزبيين الكبيرين.
وتخلص للقول «إن العلاقات الأمريكية – الإسرائيلية قامت تاريخيا وحافظت على ثباتها بالاستناد إلى مثلث متساوي الأضلاع يجمع بين المصلحة والقيم المشتركة والسياسة، وحرص كل قادة إسرائيل بنسب متفاوتة على تغليب القيم والمصالح المشتركة العليا على السياسة والمصالح الحزبية والشخصية، وهو عكس ما قام به نتنياهو خلال سبع سنوات من العلاقة المتوترة والعدائية في فترة ولاية باراك أوباما، وأربع سنوات من الانحياز والتماهي مع إدارة ترامب على حساب الحزب الديمقراطي الذي قد يعود قريبا بدون هامش واسع من المناورة وفرص أقل لترميم ما تم تدميره».

 

Radwan Abdallah

سفير الاعلام العربي عن دولة فلسطين ، الاعلامي ، الكاتب والباحث د. رضوان عبد الله • اجازة بالاداب واللغة الانكليزية من الجامعة اللبنانية . • حائز على دبلوم دراسات عليا بالقيادة الادارية – جامعة القاهرة 2015 . • حائز على شهادتي دكتوره فخرية وعشرات شهادات التنويه والتكريم العربية . • كاتب وباحث فلسطيني مقيم في لبنان • تم طباعة ثلاثة كتب وكتابين لم يتم طبعها ،و تم انجاز عشرات الدراسات والابحاث والمقالات السياسية والاجتماعية و التربوية والخواطر والنقديات الاجتماعية و السياسية.....

اترك تعليقاً