المستشار الاعلامي

جمال الموسوي

مدير مكتب جمهورية العراق

مدخل :
في اتساع وانفتاح القول الشعري على معالم الحداثة المعاصرة ، يضيق القول ويصبح الشعر فينومينولوجيا (1) الروح، لأن النص الشعري هو نص مفتوح للقراءة/للصلاة تلو القراءة/الصلاة ..
وعندما يمتزج هذا القول بحلم الأمة ويتمثل تطلعاتها ، يتلمس القارئ النص الشعري من الداخل ؛ و يبدأ العزف على وتر المبنى والمعنى ،بمحاولة قطف الضوء والفوز بأحكام قيمٍ إضافيةٍ ويجتهد المتلقي في العبور إلى عوالمَ جماليةٍ يسجلُ فيها بصمةَ الشاعر الرائي العارف ،متخليا عن الخطاب الصرف الصامت الذي يجمد المشاعر ويقتل الأحاسيس ،محاولا بكثافته السحرية عقد صلات بين الذهن والتخيّل والإطلال الكليّ، لا بل التعالي النّصّيّ حسب (جيرار جينيت).
صلاةُ البياضِ الكثيفِ :
هل من الممكن قراءة البياض؟ في حال أمكننا ذلك، كيف سيؤثر في معنى النص؟
ثمة لحظة شعرية تتوسل الراسب التحتي حسب (جاك دريدا ) للتغلب على ذهنية اللغة والميتافيزيقيا ويتمظهر ذلك الراسب في عنونة مجموعة ( صلاةُ البياضِ الكثيفِ)للشاعر عباس حيروقة الصادرة عن الهيئة السورية للكتاب عبر تمثل أركولوجيا الرؤى الصوفية من خلال بنية أبستيمية اشتغل عليها الشاعر في إعادة بناء بانوراما نصيّة مفتوحة على حفريات معرفية ، بهذا المعنى وعبر هذا المسار المورفولوجي يستدرجنا الشاعر الى اختبار حدوسه ومباهج ذاكرته وفضاء نصوصه بحساسيّة عالية خارج تقاليد الكتابة الجاهزة وقوالبها المألوفة إذ يقول :
يخلع الشاعرُ الآن جبَّتَهُ
بالرَّبابةِ يمضي
وبعض القصائدِ
يبدأ من تحتِ سعفٍ
يخاطبُ وجه الخليقةِ ..
صوتٌ دعاهُ إلى الاقترابْ ص-39
التضاد وإثارة الوعي:
وبما أن عبد القاهر الجرجاني أكد أهمية التضاد في تشكيل الصورة الشعرية، لا بد أن نعتبر التضاد مثيراً أسلوبياً باعتباره خروجاً عن مألوف اللغة وهذا الخروج يشكل إثارة لوعي المتلقي وإدراكه ،فتدفعه للبحث عن أسرار اللغة ومعانيها ، والتضاد الذي يقوم على علاقات الكلمة ضمن النص عنصر من عناصر الشعرية التي تجمع بين المبدع والكلمة الحاملة للمشاعر والأحاسيس والمتلقي المصدوم بمكنونات الكلمة والباحث عن جمالياتها ، لكون لغة التضاد ممثلة لأحد منابع اللحظة الشعرية وتسعى إلى تحرير مساحة البياض عند (مالارميه )وإلى الهدم والتأسيس في الرؤى البنيوية استحضاراً لمفهومات (رولان بارت ).
منذ بداية مغامرة صلاة البياض الكثيف ، اختط الشاعر حيروقة لاختلاف ممارسته النصية. حدسه الشعري كان أقوى من خيوط لحظة تاريخية، لم يخرج البياض من كثافتها إلا حين تهمُّ الشمس بهدهدة الكون لتهجعَ كلُّ طيورِ الريفِ وتصعد سلّمها الأقمار .. فنجده يضفي على صلاته الحركة والتموج بحيث يجعل المتلقي في بحث دؤوب عن اتجاهات تلك الإيماءات كي ينهل من ذاك الماء المقدس إذ يقول :
قُمْ رَشْرشِ
الماء المقدّس
حولنا
واترك بأرض
الحيِّ فاضتْ
بمَدْينَ من
شُعيبْ . ص-63

ما نراه في سياق اللحظة الشعرية الحيروقية ، هو ذلك التجاذب والتنافر وزج المتناقضات من الأفكار في روح الأشياء ، لخلق إيقاع حياتي كونيّ لصورة البياض الكثيف .
عباس حيروقة سليل سيد العارفين سليل الريحان والزعتر البري والعنب والتين ،ويلبس الجنان ثياب الصلاة ،سليل السؤال الشعري ظل يحب ويسأل في صمت ، ولا من مجيب .. هذا ما نلمسه في سؤاله هذا:
نحبُّ الحياةَ..
نحبُّ الحياهْ..أهذي بلادي التي
في شوارعها قدْ
أقامَ لها الياسمينُ
صلاةَ البياضِ
الكثيفِ. ص-92
تحتفي صلاة البياض الكثيف ببنائية منتظمة بوساطة جهاز لغوي مكثف وزاخر بتشكله النفسي والروحي وقابليته على إثراء البنية الدلالية وتتمظهر هذه الفاعلية بقوله في حنين القصيدة:
“حنَّتْ إلى يدكِ القصيدةُ مثْلما … حنَّتْ عصافيري الحبيسةْ للسَّما
حنَّتْ غلى ثَغْرِ تكَوَّرَ حولَه …سربُ الفراشِ ليكتوي نوراً كما
الصُّوفيِّ إذْ رُفعَ الحجابُ ببابه …فغشى صريعاً –مثلَ قلبي – وارتمى ص-59
لغة تحرث في الروح التراجيدية للانسان والعالم والاشياء والرموز ، لغة التراجيديا الباطنية حسب تعبير اوكتافيو باث., اللغة التي تشتغل على استقطاب المتاهة الزمكانية ، للوعي والوجود والتاريخ والرمز الحضاري ، لغة تخطط لتوسيع مديات الانفعال العاطفي وخلق التوتر الشديد في هذا الانفعال لغة تقيم علائق واسعة بين الذات والوجدان الجمعي.
حتى إنه لا جواب يهدئ من روعه،وهذه الذات الخاشعة لن تُوسِّع من صلاتها إلا بغرض النهوض بأعباء سؤال شعري استفاد من هذا البياض الكثيف دون أن ينخرط في سواد الواقع .
هذا القمر الطالع جعلَ “حيروقة يرى وجهه في ذيّاك النهر ، أتاح فيها لعبق الصندل والبخور ،ولجذوره قوة النفاذ إلى البياض الكثيف، لاستشفاف آهات القديسين ونسوغٍ شعرية أخرى، تُؤمِن لقصيدته قوةَ اختلافها وحيوية حضورها.
لنتوء في الوعي استدعى عُمقا ميثولوجيا، أصبحتْ تُطل الذات من من فوق الصليب على واقعها، فيما هي تنسج وشائجها المصلوبة مع مراجع من حداثة الشعر المعاصر وتوقد جمر الأسئلة وعبر شارات التعجب يقول : من ..؟ أنت أم ..
يا للعجبْ
جلجامشُ المحزونُ
يبكي من فقدْ ص-120
تتداخل حركة البياض الكثيف مع البعد الفلسفي لتكون في النهاية رؤية فنية تتناغم مع الرؤيا التي رسمها “حيروقة” بروعة إبداعه ودقة هندسته فيذكر ذاتَ مساء :
خلفَ القمرِ المجذوب
بهالةِ نورٍ غطّتْ
أمداءً ..ومفازاتٍ
فبكى في الحضرة
سكرانٌ ومضى يقرأُ للآفاقِ
حكايتِ القلبِ الدّفاقْ .ص-114
الشاعر “عباس حيروقة “في لحظة إشراق وسكون سبّح كالراهب نجواه، فتحولت في حضرته المساحة البيضاء الى صلاة أو إلى ما يصفه (نيلسون جودمان) إلى حقل من الإشارات « المكثفة» وينم ذلك عن وعيه بخصوصية التجربة الصوفية ،يقول من نص تهزُّ بجذعي الأنثى :
هي الأنثى بطلعتها ..وشت بالنحل للعسل
وشت كرما لخمرته .. كربَات من الأُوَلِ
فتأخذني بجبّتها ..كصوفيٍّ على عجلِ ص123
اعتمد في مجموعته الموسومة ( صلاةُ البياضِ الكثيفِ) منهجاً في نظرية الترميز، حيث يحيط بالمميزات المختلفة للأنظمة الدلالية للصور والألفاظ. وعمل على توسع القيم الفراغية من ذخيرة التعبير الشعري من خلال إضفاء الإيحاء الصوري على عالم النص ليحملنا إلى ما وراء التعابير المكتوبة حيث الرمزية العالية والتصور.
لقد ابتدعت أنامله الرقص فوق المعبد ووعت قصيدته المصنوعة من روحٍ وخمرة ِناسك لحظتَها التاريخية كلحظة تحول وإبدال، فاستجمعتْ قوتَها لتلتقط عناصرِ محتملها الشعري، وهو يكابد الانفلاتَ من سطوة المرجع وسحر الالتزام، و متمادياً مع الصلاة على شرفات قبَّتها/اللغة، ومحلقا في آفاقها الرحبة يقول من نص “على شرفات قبّتكِ “: لطفاً بحقِّ الأولياء
نارٌ تلفُّ القلب
..يرتفع اللهبْ
رُحْماك يا مريميةً
يخشخشني الهواءُ
فتسقط الأطرافُ
في سكر ٍ
وينعصرُ العنبْ .ص-116
رغم أن النور يسكن في لوحات مرسمه إلا أن الذات تكابد انبعاثا مُستَعصيا، وعُنصر البياض بدأ تشكُّل المتخيل في صلاة الشاعر، ولا تَخفَى الإيحاءات الحُلمِية التي توقظها عتبة العنوان، وهي تُسند استعاريا البياضَ لشاعر رائي.
“صلاةُ البياضِ الكثيفِ ” تسامر الرعد والإعصار والقمر ، إنه تكثيف لخيال الماء والتراب والهواء، للنور الذي يجعل للشعر أعماقَا وتجاويفَ وسطوحَا، وظلالاً يرتادها الشاعر كسابح يتطلَّع إلى تغيير مادية وجوده في اللغة وفي العالم فيقول :
مازلت في الريف أمشي حول ساقيةٍ..أسامر الرعدَ والإعصارَ ..والقمرَ
أمشّطُ القمحَ في راحي فيغمرني .. نورٌ من الله كم في قامتي ..اندثرا ص- 153
ثم يتابع الشاعر “حيروقة ” استثمار مساحات بيضاء كي توجه القارئ إلى فحوى النص بقوة و استنطاق عزلة الكلمات على بياض الورقة و عنه يقول (ميلارميه): «تكمن أهمية الفراغات في أنها تمثل الصدمة المباشرة للنص».
هنا سجل الشاعر ريادة في استثمار البياض ليثبت أنه لا يقل تأثيرا في القارئ من الأحرف المطبوعة السود ولا تفوّق للأخيرة على الأولى.
ان المؤثر المعرفي في تجربة الشاعر “حيروقة ” يرشح عن مكونات صور وافكار ورؤى وتداعيات مشحونة عبر تنويعات عوالم تطل من ذاكرة محتشدة تستدعي ذاكرة الآخر لتلقي اشارات الشعر المشتقة من رياح الله وحنين القصيدة والتمسك بثوابت الوطن والتشبث بذاكرته الارضية في مرموزاته الظاهراتية، حيث تشتبك الرؤى الداخلية الجمعية بالرؤى الشخصانية ليتجمع المضمون كله في بؤرة كيانية بدلالة الملفوظات المحتشدة بقيمها العلائقية بين الروح الشخصي وبنية المكان الجمعي (الوطن) لنطل بهذا النسق القراءاتي حين تهب رياح الله :
في زاوية من
هذا العالم
في سوريَّةَ
وقت المغرب
من نيسان
طافت روحي
سرب حمام
فرأتْ انهاراً قد جفّتْ
والآبارَ سلاها
الماءْ –ص7
ان هذا التماهي الوجودي هو قمة ما يؤرخه المتخيل الشعري للذات الشاعرة التي تقود مضامينها نحو تأسيس وخلق (جينالوجيا وجودية) تتجمع في بؤرتيها الحسية والفكرية منظومة من الملفوظات الشعرية التي يشبهها {رولان بارت} بوعاء القيثارة، ويدق الشاعر بخوف طبول الغياب ويتواصل في انشغاله الشعري في “حضرة الأنوار” باضطراد هذا التماهي الشديد مع الكائنات والموجودات والوجود والاشياء، يستحضر مخلوقات لاوعية وذاكرته وماضيه الممتد الى ذاكرات نفسية وزمكانية خارقة، وهذا نقرأه في حضرة الأنوار:
مازال في الشام يَجْلو ناظري بردى…ويَخْفقُ القلبُ إذْ ما قاسيونُ بدا
وترقص ُالروحُ رقصَ المولويِّ إذا…ماكان في حَضْرة ِالأنوارِ مُتَّقِدَا
وضمن هذا الرقص المولويّ، كانت الذاتُ، مُتبادلةً التفاعل مع ما يخفق في قلب التاريخ .
وعلى سبيل الختم :
وعلى سبيل الختم، إن مجموعة «صلاة ُ البياضِ الكثيفِ» تطفح بدوال شعرية كالأنهار والليل والنهار الموت والحياة والسواد والبياض الريح والرعد والمطر والعشب والمحار والأنوار والمقبرة والخمر والبدر والغيم والغروب والفجر، والنايات والرعشات والأقمار والأمداء والخيل والقلب… دوالٌ عرفتْ الذات كيف تبني بها ما يُكثِّف من حضورها في البياض، على نحو جعلها لا تُبقي إلا على ظلال بعيدة مِن نص غائب لا يقوم الشعرُ بدونه.
ـــــــــــــــــــــ
ويبقى السؤال :هل يفلح الشاعر الذي يهدهد الريح في كفّه في فتح كوةِ الأمل ، ومداخلِ النور ، فالواقع مهزوم والرؤى تبقى ضبابيةً فهل تصبح صلاةُ البياضِ الكثيفِ مفتاحاً لتلك الحقيقة الصعبة و مدخلاً لنور الحق والخير والجمال ؟
.ـــــــــــــــ
(1 ): شارلين هس-بيبر، وباتريشيا ليفي، البحوث الكيفية في العلوم الإجتماعية، ترجمة هناء الجوهري، القاهرة: المركز القومي للترجمة ص 69
الظاهراتية أو الفينومينولوجيا: هي مدرسة فلسفة تعتمد على الخبرة الحدسية للظواهر كنقطة بداية ، وتقوم هذه المدرسة الفلسفية على العلاقة الديالكتية بين الفكرة والواقع.